أغراب

أغرابٌ التقينا وافترقنا. أغرابٌ على مائدة مع مزيج من أغراب منهم من يعرف البعض ومنهم من لا يعرف حتّى ما في جيبه. ابتسمنا، أنا و أنتِ لبعضنا، كما تبتسم النادلة للزبون الجالس إلى الطاولة في الزاوية سائلة إيّاه ما هو طلبه لعشاء هذه الليلة. كانت إضائة المكان خافتة بعض الشئ. للوهلة الأولى اعتقدت بأن روّاد هذا المكان عادة ممّن يحبون أن يقضوا بعضاً من الوقت مع أشخاص آخرين لكن يريدون بناء حائط وهميّ فيما بينهم – الإنارة الخافتة – ليستروا ليس عيوبهم المرئيّة، بل المعنويّة. عيوب لطالما استطاعوا أن يبقوا عليها تحت أنقاض زحمة و ضوضاء الحياة ومشاغلها و لكنّهم لحالما يضعفون، مجدّداً، حالما يعودون لمنازلهم. طبعاً، فالوحدة قاتلة!

هل حدث و أن فكّرت مليّاً بالأمر؟ لا مع أحد غيرك أنت. فكّر في مشاعرك وخُض في التفكير الممل فيها، بينك وبين نفسك فقط. لا تكشف عنها الستار لأحد، هذا إن كنت تخفيها خلف ستار هو أشبه بستار أحمر انسدل من أعلى ليحجب الرؤية عن الجالسين في المسرح منتظرين انكشافها لتبدأ المسرحيّة فيضحكون بملئ فيهم ساترين جروحاً في قلوبهم منها ما هو سطحي ساذج ومنها ما هو بعمق الأخدود. يضحكون لينسوا ما مرّوا به خلال حياتهم. تعددت الأسباب والسبيل واحدُ!

أمّا أنا، يا حسرتي عليّ. أعيش وحدي، أضحك وحدي، أبكي وحدي، أصحوا وحدي، أنام وحدي، أتناول طعامي مع نفسي، أخرج و أعود للمنزل وحدي. أفعل كلّ شئ وحدي. لأ أعلم إن كان في ذلك من المنفعة لي بشئ لكنّني أعلم علم اليقين أن الوحدة ليست سوا قناع من أقنعة الجحيم المستعرة المستشيطة غضباً وقهراً بدون سبب يُذكر. لكن يمكنني القول بأنّني حاولت جهدي ولازلت أسعى جاهداً لنيل رضا نفسي عنّي وعمّا أفعل وعمّا يحيطني من أشياء يتراوح تقديرها بين السخيف والجادّ كجديّة الموت. ربّما!

على كلّ، “دنيا وبدها تمشي” كما نقول بالعاميّة. الوقت يمشي ولا ينتظر. لأ أستطيع أن أتذكّر أي شئ آخر لديه نفس الصِفة ولا أعلم شيئاً سوى أنّني أفعل ما أفعل لا لشئ سوى ليمضي الوقت. ليس قلقاً أو خوفاً من المجهول، و إنّما لأنني، ببساطة، أرفض الحاضر. قرأت منذ وقت مضى أنّ القلق على المستقبل يودي ببهجة الحاضر، كما هو الحال لمن يتشبّث بالماضي كالبكاء على أطلال حبيبة فرّق بينه وبينها القدَر لسبب ما.

إذن، لا التشبّث بالماضي نافع، ولا القلق على المستقبل نافع لكن التركيز على الاستمتاع بالحاضر – ولو قليلاً – هو ما يجب فعله. الحاضر الوحيد في البرد القارس، تحت أمطار غزيرة بلا نهاية، وثلج.

Did you like this? Share it:

About Nader Elkhuzundar

Nader Elkhuzundar is a commentator on Palestinian affairs and Co-founder of Beyond Compromise (www.beyondcompromise.com). Elkhuzundar occasionally freelances for The Guardian, International Business Times, and others. He's a social media enthusiast and tech savvy with particular interest in new technologies and analytics, and enjoys reading over Arabic coffee and dark chocolate.
This entry was posted in Thoughts and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *