طيزي وكرسي البلاستيك – الفصل التاسع

كل اللي كتبته قبل هادي التدوينة كان بالعاميّة الغزّاوية. هادي محاولة بسيطة منّي في التدوين بالعربيّة.

جسلت في مكتبة الجامعة في لندن، وحيداً، كما أجلس في محل القهوة. الفرق بين محل القهوة هذا ومكتبة جامعتي هو أن المكتبة خالية تماماً من البشر في أغلب الأحيان، بينما محل القهوة، كما الشارع، ملئ بالنّاس وصاخب. نشرت أوراق لم تعد بيضاء من اكتظاظ الكلمات المتراصّات بشكل عشوائي في شتّى أرجاء الورقة، على الوجه والظهر، في الزوايا الأربع، في المنتصف، بين السطور، بين الفراغات. كتبت في كل مكان يمكنني الكتابة فيه، ولم أشبع. نعم لم أشبع من الكتابة. كل شئ أعرفه يحمل معه في طيّاته احتمالية الشبع، أن أشبع منه و من فعله، سوى الكتابة. لست أفضل من كتب بالعربيّة ولا الانجليزيّة ولا بأي لغة أخرى أجيدها أو عرفها بشر. وخط يدي ليس الخط الذي يسرّ الناظرين أيضاً. خطّي أشبه بخطوط متواصلة متقطّعة بعدة أشكال و أحجام قد لا تعني بالضرورة شيئاً لأحد آخر غيري في أغلب الأحيان إلّا من استطاع إليه سبيلاً.

لا شئ يملؤ وحدة المكان و المساحة سوى طقطقات أناملي على لوحة المفاتيح وترانيم صلاة أصابع (نسيم شمّة) على أوتار العود و هواء بارد يشبه بقوّته رياح ما قبل العاصفة. هذه بريطانيا طوال السنة. نعيش الفصول الأربعة في يوم واحد بمعنى الكلمة. تستيقظ في الصباح لتجد السماء زرقاء صافية تسرّ الناظرين و شمس ساطعة متوهجة تشعر اذا وقفت تحتها بحرارتها تداعب ما تعرّى من جسدك لها. تخرج من البيت فاذا بها قد رحلت. فتتسائل ما إذا قد ذهبت لغير رجعة حتى صباح اليوم التالي أو أنها أحبّت أن تمازحك قليلاً فهربت لتختبئ منك خلف غيمة سوداء مخيفة تنذر بمطر غزير لبعض الوقت وترجع الشمس بعدها لتضفي ضوءً على نصف الكرة الأرضيّة لا أكثر. تتسائل أين ذهبت حرارتها التي استيقظت عليها منذ قليل ولا من مجيب. هذا هو صيف بريطانيا وربيعها وخريفها. أما شتاؤها فهو محاولة من الكون لتنسى أن الله قد خلق في يوم ما شيئاً اسمه الشمس.جُل ما تعيشه هو حالات يقظة ونوم يوديان إلى الهذيان بين مطر غرير لا يتوقف تاركاً الأرض ومن عليها غارقاً في فياضانات سببتها تلك الأمطار، أو ثلج يتساقط من شدّة البرد بدل حبّات مطر تكسو الدنيا كلها بالأبيض وكأنّ عرساً كونياً سيزف الأرض الليلة لسبع أيّام بلاليها.

أردت الكتابة عن الغربة والعيش في مجتمع أشبه بـ (كوكتيل) أجناس و ألوان و عادات و مفاهيم. لا يمكنك القول بأن الناس هنا هم بريطانيّون، على الأقل في المدن الكبيرة. لم تنسح لي الفرصة بعد بالذهاب لمدن صغيرة في أرجاء المملكة بعد، أشياء تريد المال و الوقت و أنا لست سوى عبد فقير إلا الله لا أملك منهما شيئا. الفجوة العميقة بين المجتمعات الغير عربية قاتلة. تقتل الروح و القلب. تقتل حسّ العائلة و الدّم. تقتل كل المفاهيم التي ترعرعنا نتعلمها، نتعايشها، نتبادلها مع الآخرين في مجتمعنا العربي.

أفكّر في الموضوع احياناً محاولاً النظر إليه من زاوية موضوعية أو منطقية. لكن الحنين لكل تلك الأشياء، برغم أنني مازلت بعيداً عن القول بأنني قضيت سنتي الأولى بعيداً بأسبوعين فقط، لكن بلا جدوى. حتى أنّ جميع من قابلت من أبناء جلدتي قالوا لي (أوّلها صعبة، بكرة بتتعوّد) و (مشاعرك راح تتغيّر بكرة ومش راح تعود تفرق معك كتير) و أنا بيني وبين نفسي كمن حشر في غرفة ضيّقة تطبق جدرانها على أضلعي ببطئ. لا زلت أجهل مالذي يحصل وما قد حصل. وحده الله يعلم.

لازلت أحاول أن أتعلّم المزيد عن نفسي و من أكون، لكنني أعلم بأن نمط الحياة الغربيّ ليس شيئاً لي فيه من الهوى شئ. لا حانات، ولا ملاهي و نوادي ليلية، ولا أي شئ يندرج تحت تصنيف الحياة الليلة أو (النايت لايف) مع أنني ذهبت عدّة مرات مع بعض الأصدقاء لأشبع ذلك العطش لمعرفة مالذي يحصل في مثل تلك أماكن. أعلم ان ذلك نهج حياة عديد من الناس، فكل شخص له أسلوب حياة مختلف. فبعضهم يتعبّد في المساجد، بعضهم في الكنائس، وبعضهم عبادته وصلاته هي الملاهي الليلة. لكم دينكم ولي دين. لكن سأكون صريحا هنا، لم أر شيئاً أحبّه هنا. رأيت فتيات كاسيات عاريات يحتسين ما اختلف و تعدد لونه و طعمه من الخمور و يتراقصن على أنغام ضوضاء صاخبة. نعم ضوضاء صاخبة يسمونها موسيقى. وحولهنّ الذئاب متربصين بانتظار لحظة يقترب أحدهم من أحدهن ليبدأ بحركته و ينعم بها غنيمة الليلة.

لا أعلم لم كتبت عن ذلك لكن كانت لدي الرغبة في الكتابة عنه. على كلّ، هذا كلّ ما لديّ لهذا اليوم.

Did you like this? Share it:

About Nader Elkhuzundar

Nader Elkhuzundar is a commentator on Palestinian affairs and Co-founder of Beyond Compromise (www.beyondcompromise.com). Elkhuzundar occasionally freelances for The Guardian, International Business Times, and others. He's a social media enthusiast and tech savvy with particular interest in new technologies and analytics, and enjoys reading over Arabic coffee and dark chocolate.
This entry was posted in طيزي وكرسي البلاستيك and tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to طيزي وكرسي البلاستيك – الفصل التاسع

  1. اليوم بصير إلنا
    11 شهر و يوم واحد بالضبط في أسكتلندا

    عندي مسودة لتدوينة أبتغي نشرها عندما نصل لتاريخ سنة بالتمام و الكمال
    (لم نحب الأرقام و التواريخ من شاكلة سنة، 100 عقد..الخ بالمناسبة!)

    المهم

    لا أظنني سأنشرها لأنني -كما أعتقد- أكتبها لنفسي! و هي تزداد طولًا و مللًا -المسودة و ليس نفسي!-
    😛

    كلامك يصيب أكثر من وتر عندي يا نادر
    كشخص يغترب ببلد لا عربي لأول مرة
    ———
    لن ادخل في متاهة عنوان السلسلة -مجددًا!-
    😀
    ———

    http://mohammadzeidan.wordpress.com/2013/08/11/%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC/#respond

    تدوينة لصديق في تركيا قرأتها اليوم و كنت ساكتفي بها كتعليق و لكن يجب أن (أبربر) و هيك
    🙂

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *